مركز الثقافة والمعارف القرآنية
392
علوم القرآن عند المفسرين
وقد انحرف في ذلك جمع من الباحثين من أهل العصر فراموا بناء المعارف الإلهية والحقائق الدينية على ما وصفته العلوم الطبيعية من اصالة المادة المتحولة المتكاملة ، فقد رأوا أن الإدراكات الانسانية خواص مادية مترشحة من الدماغ وأن الغايات الوجودية وجميع الكمالات الحقيقية استكمالات فردية أو اجتماعية مادية . فذكروا ان النبوة نوع نبوغ فكري وصفاء ذهني يستحضر به الانسان المسمى نبيا كمال قومه الاجتماعي ، ويريد به أن يخلصهم من ورطة الوحشية والبربرية إلى ساحة الحضارة والمدنية ، فيستحضر ما ورثه من العقائد والآراء ويطبقها على مقتضيات عصره ومحيط حياته ، فيقنن لهم أصولا اجتماعية وكليات عملية يستصلح بها أفعالهم الحيوية ثم يتمم ذلك بأحكام وأمور عبادية ليستحفظ بها خواصهم الروحية لافتقار الجامعة الصالحة والمدنية الفاضلة إلى ذلك ويتفرع على هذا الافتراض : أولا : أن النبي إنسان متفكر نابغ يدعو قومه إلى صلاح محيطهم الاجتماعي . وثانيا : أن الوحي هو انتقاش الأفكار الفاضلة في ذهنه . وثالثا : أن الكتاب السماوي مجموع هذه الأفكار الفاضلة المنزهة عن التهوسات النفسانية والأغراض النفسانية الشخصية . ورابعا : أن الملائكة التي أخبر بها النبي قوى طبيعية تدبر أمور الطبيعة أو قوى نفسانية تفيض كمالات النفوس عليها ، وأن روح القدس مرتبة من الروح الطبيعية المادية تترشح منها هذه الافكار المقدسة ، وأن الشيطان مرتبة من الروح تترشح منها الأفكار الردية وتدعو إلى الأعمال الخبيثة المفسدة للاجتماع ، وعلى هذا الأسلوب فسروا الحقائق التي أخبر بها الأنبياء كاللوح والقلم والعرش والكرسي والكتاب والحساب والجنة والنار بما يلائم الأصول المذكورة . وخامسا : أن الأديان تابعة لمقتضيات أعصارها تتحول بتحولها . وسادسا : أن المعجزات المنقولة عن الأنبياء المنسوبة إليهم خرافات مجعولة أو حوادث محرفة ، لنفع الدين وحفظ عقائد العامة عن التبدل بتحول الأعصار ، أو لحفظ مواقع أئمة الدين ورؤساء المذهب عن السقوط والاضمحلال ، إلى غير ذلك مما أبدعه